الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

468

تفسير روح البيان

الشياطين ودخول شر الوسواس الخناس فيها وإلى الأعمال القالبية الحاصلة بالحواس والأعضاء فالقالب أخذ الشرف من القلب وهو من الروح وهو من السر فلذا كان الكل جديرا بالاقسام به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى جنس الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يقال قام انتصب وقام الأمر اعتدل كاستقام وقومته عدلته كما في القاموس والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي ان يكون عليه في التأليف والتعديل وعن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة فإنه حكى أن ملك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة فقال لها ان لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا فافتى الكل بالحنث الا يحيى بن أكثم قال لا يحنث فقالوا خالفت شيوخك فقال الفتوى بالعلم ولقد أفتى من هو اعلم منا وهو اللّه تعالى قال لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فالانسان أحسن الأشياء ولا شئ أحسن منه وفي المفردات هو إشارة إلى ما خص به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم وانتصاب القامة الدال على استيلائه على كل ما في هذا العالم والمعنى كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى حيث يراه تعالى مستوى القامة متناسب الأعضاء حسن الشكل كما قال وصوركم فأحسن صوركم اى صوركم أحسن تصوير وكذا خلقه متصفا بالصفات الإلهية من الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام التي هي الصورة الحقيقية الإلهية المشار إليها بحوله عليه السلام خلق اللّه آدم على صورته وعليه يدور معنى قوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه فالانسان مظهر الجلال والجمال والكمال ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ اى جعلناه من أهل النار الذي هو أقبح من كل قبيح وأسفل من كل سافل لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين والحاصل انه حول بسوء حاله من أحسن تقويم إلى أقبح تقويم صورة ومعنى لأن مسخ الظاهر انما هو من مسخ الباطن فالمراد بالسافلين عصاة المؤمنين وافعل التفضيل هنا يتناول المتعدد المتفاوت وأسفل سافلين اما حال من المفعول اى رددناه حال كونه أسفل سافلين أو صفة لمكان محذوف اى رددناه إلى مكان هو أسفل أمكنة السافلين والأول أظهر ثم هذا بحسب بعض الافراد الانسانية لانغماسهم في بحر الشهوات الحيوانية البهيمية وانهما كهم في ظلمات اللذات الجسمانية الشيطانية والسبعية وفيه إشارة إلى أن الاعتبار انما هو بالصورة الباطنة لا بالصورة الظاهرة ولذا قال الشيخ سعدى ره راست بايدنه بالاى راست * كه كافر هم از روى صورت چو ماست فكم من مصور على أحسن الصور في الظاهر وهو في الباطن على أقبح الهيئات ولذا يجيئ الناس يوم القيامة أفواجا فان صفاتهم الباطنة تظهر على صورهم الظاهرة فتتنوع صورهم بحسب صفاتهم على أنواع وقيل رددناه إلى أرذل العمر وهو الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة كقوله تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق اى نكسناه في خلقه فتقوس ظهره بعد اعتداله وابيض شعره بعد سواده وكل سمعه وبصره وتغير كل شئ منه